ابن أبي الحديد

150

شرح نهج البلاغة

بالبويب ( 1 ) على بعير من إبل الصدقة ، ففتشنا متاعه ، لأنا استربنا أمره ، فوجدنا فيه هذه الصحيفة ، ومضمونها أمر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بجلد عبد الرحمن بن عديس ، وعمرو بن الحمق ، وحلق رؤوسهما ولحاهما ، وحبسهما وصلب قوم آخرين من أهل مصر . وقيل : إن الذي أخذت منه الصحيفة أبو الأعور السلمي ، وإنهم لما رأوه وسألوه عن مسيره ، وهل معه كتاب ، فقال : لا ، فسألوه : في أي شئ هو ؟ فتغير كلامه ، فأخذوه وفتشوه وأخذوا الكتاب منه ، وعادوا إلى المدينة . وجاء الناس إلى علي عليه السلام ، وسألوه أن يدخل إلى عثمان ، فيسأله عن هذه الحال ، فقام فجاء إليه فسأله ، فأقسم بالله ما كتبته ولا علمته ، ولا أمرت به ، فقال محمد بن مسلمة : صدق ، هذا من عمل مروان ، فقال : لا أدري ، وكان أهل مصر حضورا ، فقالوا : أفيجترئ عليك ويبعث غلامك على جمل من إبل الصدقة ، وينقش على خاتمك ، ويبعث إلى عاملك بهذه الأمور العظيمة ، وأنت لا تدري ، قال : نعم ، قالوا : إنك أما صادق ، أو كاذب ، فإن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع لما أمرت به من قتلنا وعقوبتنا بغير حق ، وإن كنت صادقا فقد استحققت الخلع لضعفك عن هذا الامر وغفلتك ، وخبث بطانتك . ولا ينبغي لنا أن نترك هذا الامر بيد من تقطع الأمور دونه لضعفه وغفلته ، فاخلع نفسك منه . فقال : لا أنزع قميصا ألبسنيه الله ، ولكني أتوب وأنزع . قالوا : لو كان هذا أول ذنب تبت منه ، لقبلنا ، ولكنا رأيناك تتوب ثم تعود ، ولسنا بمنصرفين حتى نخلعك أو نقتلك أو تلحق أرواحنا بالله ، وإن منعك أصحابك وأهلك ، قاتلناهم حتى نخلص إليك . فقال : أما أن أبرأ من خلافة الله ، فالقتل أحب إلي من ذلك ! وأما قتالكم من يمنع عني ، فإني لا آمر أحدا بقتالكم ، فمن قاتلكم فبغير أمري قاتل ، ولو أردت قتالكم لكتبت إلى الأجناد ، فقدموا علي أو لحقت

--> ( 1 ) البويب : مدخل أهل الحجاز إلى مصر .